الشيخ محمد رشيد رضا
47
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
البقاعي بعد الآيتين السابقتين : ولما بين تعالى ما لفاعل ذلك تحذيرا ، اتبعه ما للمنتهي تبشيرا ، وكان قد تقدم جملة من الكبائر فقال . وذكر الآية الاجتناب ترك الشيء جانبا والكبائر جمع كبيرة اي الفعائل أو المعاصي الكبائر والسيئات جمع سيئة وهي الفعلة التي تسوء صاحبها عاجلا أو آجلا أو تسوء غيره كما تقدم في تفسير ( 3 : 193 وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا ) وفسروها بالصغائر بدليل مقابلتها بالكبائر واللفظ أعم والتخصيص غير متعين الأستاذ الامام : اختلف العلماء هل في المعاصي صغيرة وكبيرة أم المعاصي كلها كبائر ؟ نقلوا عن ابن عباس ان كل ما عصي اللّه به فهو كبيرة . صرح بذلك الباقلاني والأسفراييني وامام الحرمين . وقالت المعتزلة وبعض الأشاعرة إن من الذنوب كبائر وصغائر وقال الغزالي ان هذا من البديهيات . وقد اختلف في الصغائر والكبائر فقيل هي سبع لحديث صحيح في ذلك ولكن الأحاديث الصحيحة في عدها مختلفة ومجموعها يزيد على سبع وقد ذكرت على سبيل التمثيل أقول أشهر هذه الأحاديث ما ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « اجتنبوا السبع الموبقات » قالوا وما هي يا رسول اللّه ؟ قال « الشرك باللّه ، وقتل النفس التي حرم اللّه الا بالحق ، والسحر ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات » . ومنها أيضا من حديث أبي بكرة أنه قال قال رسول اللّه ( ص ) « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ - قلنا بلى يا رسول اللّه ، قال : الاشراك باللّه ، وعقوق الوالدين - وكان متكئا فجلس وقال - ألا وقول الزور ، وشهادة الزور » فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت . وفي لفظ عند البخاري من حديث ابن عمرو زيادة « واليمين الغموس » وفي الصحيحين أيضا من حديث ابن عمرو قال قال رسول اللّه ( ص ) « إن من أكبر الكبائر ان يلعن الرجل والديه - قالوا وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال : يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه » وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يذكر في كل مقام ما تمس اليه الحاجة فلم يرد شيء من ذلك في مقام الحصر والتحديد ولكن الأحاديث صريحة في اثبات الكبائر ويقابلها الصغائر والظاهر منها ان كبرها في ذواتها وأنفسها لما فيها من المفسدة والضرر ، والموبقات